عمر فروخ
76
تاريخ الأدب العربي
يخبرنا ابن خلّكان ( 2 : 54 - 55 ) أنّ التهامي « وصل إلى الديار المصرية مستخفيا ومعه كتب ( رسائل ) كثيرة من حسّان بن مفرّج بن دغفل البدويّ ، وهو متوجّه بها إلى بني قرّة . فظفر به ( رجال الحاكم بأمر اللّه ) فقال لهم : أنا من بني تميم . فلمّا انكشفت حاله عرف أنه التهاميّ الشاعر فاعتقل في خزانة البنود ، وهي سجن بالقاهرة ، وذلك لأربع بقين من شهر ربيع الآخر 416 ( 1025 م ) . وقد كان يحمل رسائل إلى بني قرّة البدو للثورة على الحكم الفاطمي في مصر « 1 » . وبعد نحو أسبوعين قتل التهاميّ في سجنه سرّا . 2 - التهاميّ شاعر مقلّ ، ولكنّه مجيد محسن فصيح الكلام سهل التراكيب رقيق ، غير أنّ له مبالغات . وله مديح ورثاء وغزل ووصف وحكمة وذمّ للدنيا . 3 - مختارات من شعره - قال التهامي في الرحمة للحاسدين : إنّي لأرحم حاسديّ لحرّ ما * ضمّت صدورهم من الأوغار « 2 » . نظروا صنيع اللّه بي ، فعيونهم * في جنّة وقلوبهم في نار . ومن الرجال معالم ومجاهل ؛ * ومن النجوم غوامض ودرار « 3 » . والناس مشتبهون في إيرادهم ؛ * وتباين الأقوام في الإصدار « 4 » . ذهب التكرّم والوفاء من الورى * وتصرّما ، إلّا من الأشعار ! وفشت خيانات الثقات وغيرهم * حتى اتّهمنا رؤية الأبصار . - وقال يرثي ابنه وقد مات صغيرا : حكم المنية في البريّة جار ؛ * ما هذه الدنيا بدار قرار . بينا يرى الإنسان فيها مخبرا * حتى يرى خبرا من الأخبار ! طبعت على كدر ، وأنت تريدها * صفوا من الأقذار والأكدار .
--> ( 1 ) راجع ترجمة الوزير أبي القاسم بن المغربي ( ت 418 ه ) ، تحت ، ص 78 . ( 2 ) الاوغار جمع وغر ( بسكون الغين أو بفتحها ) : الحقد ، الضغن ، التوقد من الغيظ . ( 3 ) معالم : مشهورون ، يهتدى بهم . مجاهل : مغمورون ، لا قيمة لهم . غوامض : خفيات ، لا ترى . درارى : لامعات . ( 4 ) مشتبهون : مستوون ، يشبه بعضهم بعضا . ايرادهم : حضورهم ، مجيئهم إلى الدنيا ، تكوينهم . - ولكن الناس يختلفون في إصدارهم ( ما يصدر عنهم من السلوك والاعمال ) .